LATEST POSTS
- أجمل معاني الوطنية لدى أمي عائشة وأخي فاروق المؤيد بقلم سلوى المؤيد
- الحلقة الرابعة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية ليكونوا سعداء مستقبلاً
- كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية الحلقة السابعة ليكونوا سعداء مستقبلاً
- الحلقة التاسعة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية. ليكونوا سعداء مستقبلاً
- الحلقة السادسة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية لكي يكونوا سعداء مستقبلاً
- الحلقة الخامسة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية. لكي يكونوا سعداء مستقبلاً
- الحلقة الخامسة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية. لكي يكونوا سعداء مستقبلاً
- الحلقة الثامنة كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية لكي يكونوا سعداء مستقبلاً
- ماهي صفات الأطفال التي تعرضهم للعقد النفسية الحلقة الثالثة
- كيف نجنب أبنائنا العقد النفسية لكي يكونوا سعداء مستقبلاً ؟ الحلقة الثانية
RECENT COMMENTS

بزوغ نجم جديد في سماء الرواية العربية
بقلم : سلوى المؤيد
يذكرني اسلوب الكاتب يحيى مختار في رواياته بالادب الكلاسيي الرفيع.. ذلك النوع من التعبير الأدبي الذي لا يهدف أصحابه الى الشهرة و المال من خلال روايات تشبع احتياجات السوق الادبية التجارية.. وانما يسعى التعبير عن البيئة و الزمن الذي عاشته شخصيات الرواية.. بأن يغوص المؤلف في أعماق نفوسها ليخرج درراً من المشاعر الانسانية.. بكل تموجاتها السعيدة او الحزينه.. معبراً عن أحلامها.. التي تجسد قناعاتها المختلفة نحو ما يدور في مجتمعها.
واذا عدنا الى القصص التي كتبها الأديب يحيى مختار سواء التي تضمنها كتابه "عروس النيل" الذي مكنه من الحصول على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة في مصر 1992.. او رواية " ماء الحياة" التي صدرت حديثا من قبل دار سعاد الصباح للنشر فاننا سنلمس تفاعله مع مأساة قومه و تجسيده لحركة الحياة البطيئة في النوبة لانه يعكس به طابعها.. حيث الفقر و الجهل في ظل أهمال المسئولين في الدولة لهذه البقعة النائية من أرض مصر.. و ما نتج عن بناء سد أسوان من خراب نال الاراضي الزراعية بسبب فيضان المياه.. مما ضاعف فقر وبؤس شعب هذه المنطقه منذ التعلية الأولى و الثانية لهذا الخزان سنة 1912 و 1933.. الامر الذي دفع الكثير من الآباء رغماً عنهم الى الرحيل نحو الشمال اي العاصمة (القاهرة) من أجل لقمة العيش التي امست شحيحة بعد أن حل الخراب بتلك الأراضي..و لم يكن الفراق الذي اصبح واقعاً في حياة الاسرة النوبية أمراً يسيراً...بل كان صعباً و قاسياً.. حرم الزوج من زوجته.. والابناء من آبائهم.. و اضطر النوبى بسبب ظروفه الاقتصادية الضعيفة.. أن يتنازل عن كبريائه.. و يعمل في وظائف متدنية.. مثل الحراسة و الخدمة في المنازل.. و امتد هذا الدور حتى الى ما يؤديه من أعمال سينمائية.. حيث تعود المنتجون الى اسناد دور الخادم الى الممثل النوبي.. دون أي اعتبار لدى براعته كممثل في اداء ادوار اخرى أكثر صعوبة و تعقيداً ، مثلما حدث لبشير طاس عندما أراد أن يمارس مهنة التمثيل في القاهرة.. ودفعه كبرياؤه الى العودة لإسعاد اهل قريته من خلال تقمصه لشخصية "الشيخ التكروري".
لقد برع يحيى مختار من خلال لغة عربية متمكنه و ثرية في تعابيرها اللفظية و الوصفية.. في تجسيد معاناة اهل قريته "الجنينة و الشباك" بعد الفيضان الذي حل بها.. كما أنه اضفى بلغته الشاعرية الرومانسية جمالا قلل من احساس القارئ بالملل من رئابة الحياة في تلك البقعة النائية الفقيرة.. ولو أنه عمد الى استخدام الجمل الطويلة في التعبير عن افكاره.. وهو ما ارجو ان يتفاداه في رواياته القادمة لتكون سريعة الوقع.. الى جانب عمق ما تعبر عنه من مشاعر و احاسيس صادقة و قوية في أدائها اللغوي و التعبيري. كان يحيى مختار يرمز من خلال شخصية بطل القصة طبشير غطاس" الى الانسان و الفنان النوبيالاصيل.. الذي امتزج الالم و الحزن في نفسه لما وصلت اليه حال قريته .. فشعر بالرغبة في التمرد على ما اريد من واقع للقرى الاخرى لتكون أسيرة للخزان في أسوان.. فأراد تغيير هذا الواقع عن طريق الحلم.. و استخدام مهارته كممثل في إضفاء البهجة على حياتهم الخشنة.. كان يريد ان يمد يده ليواسي المحزونين منهم و المحطمين .. ان يحرك ركود حياتهم و فراغهم و مثلهم من خلال احتفالهم بالليلة الكبيرة فتخفى في شخصية "الشيخ التكروري" ليحقق هدفه.. ورغم عمله وحاجته أن يكون ساحراً لا ممثلاً ليبدل حياة أهله .. لكنه اعتقد انهم يحاجة أيضا الى ممثل، و الا ماتو ضجرا.. كان بشير غطاس في نظر كاتب القصة متمرد ¸مصلح و فنان.. يريد تغيير الحياة.. فهل هو مجنون كما يقول اهله عن احلامه في البر الغربي للنيل؟!.. إن كل ما يريده هو أن يحقق بالفعل او بالقوة ما يريده لناسه.. إلا انه اكتشف ان الوصول الى هذا الهدف، كان صعباً بل مستحيلاً.. فتراه يحدث نفسه قائلا: " هنا اهلك غير اهل بر مصر.. هم يكفيهم المسرح.. يذهبون اليه اختيارا و عند حاجاتهم للترفية عن انفسهم... و لكن أهلك هنا يا بشير في حاجة للسحر.. للمعجزة و شتان بين المسرح و السحر.. و الشر الذي حل بهم عن طريق الخزان.. له علاج آخر ولا شك غير ما تفعله الآن".
ان بشير غطاس يتمنى وقوع معجزة ليتحقق حلمه في عودة الشمل.. ان تصعد المياه نحو الغرب .. كما صعد أهل الشمال بالمياه في الابنية العالية. و هنا يعبر الكاتب يحيى مختار بأسلوبه المتدفق الشاعري و هو مندفع نحو إسعاد أهل قريته قائلا: " انه يسير كمن ساق الى قدر معلوم.. ان ما اختمر في الأعماق على سنوات كثيرة .. لم يعد هناك من سبيل او وسيلة لوقفه.. انه يهدر متدفقا كالشلال مرتبط باحتياجاتهم... أن إنجازه لما يحلم به في عمره.. لهم فرح خاص يمنحه لنفسه.. نجاحه في أن يتخفى، نجاح استخصه لنفسه.. ليفتح به اكماما من السعادة في روحه.. كما تفتح أكمام عباد الشمس المبذورة على الشيطان.. وكزهرات اللوبيا البنفسجية في أعقاب الدميرة(الفيضان).. أنه اشباع لاشواقه الدفينة و أحلامه التي و أدتها وفاة ابيه و الخزان".
ان تفاعل بشير غطاس مع مأساة شعبه جعلته يتمادى قي اعتقادهان عشقه للتمثيل لم يكن مجرد صدفة.. و انما كان الهاما انسكب على روحه ليؤدي به المزيد من الإلهام..الذي سيمنحه القوة لكي يعثر حتما على الحل المعجز برفع مياه النهر للآرض المرتفعة في الغرب.. لقد اعتقد انه من خلال تقمصه لشخصية "الشيخ النكروري" أنه قادر على أن ينسجه في ضفائر حياتهم ليستطيع أن يمسح احزانهم ويبدل اوضاعهم انه يغفل ما لا يستطيع الممثلون على المسرح القيام به.. لانهم يضحكون الناس ويبكونهم.. لكنهم لا يستطيعون ان يغيروا حياتهم.. وهو ما سيفعله لهم.. لكن هل استطاع ان يحقق ما يريد.. أن يسعد أهل قريته.. وأولهم إبنة خالته راجية هميد.. الذي ملئ قلبها بالامل الكاذب.. لم يكن يعلم أنه من خلال ما فعل .. قد ضاعفت من مأساتها.
لقد وصف الكاتب ببلاغة مؤثرة الصراع النفسي الدفين في نفس هذه الزوجة التي كان يتنازعها شعورين متناقضين.. كرهها لزوجها لإنه غدر بها.. وشوقها الدفين المتأجج اليه.. حين قال على لسان بشير غطاس: " هل لم يك
ن بمقدوره أن يفهمها.. أم أن نظرته اليها كإبنة خالته حالت دون أن يفكر في عمق علاقتهما الزوجية؟ في سر المودة الخفية بين الرجل وزوجته المتمثلة في السكن و الرحمة.. في رغائب الجسد وشبق العطش؟ .. و الشيب المبكر من الهم.. وجفاف العود من ضني بعد الزمن بالهجر الممتد منذ عشرة فيضانات.. لم تنطفئ وقدة الجسد ولا بردت حرارة الشوق.. ذبح حياؤها البوح بما في أعماقها من عطش للارتواء .. لم يفطن انها امرأة وانسانة، خاب سعيه.. فلم يكن وحيدها خليل هو احتياجها الاعمق.. اضلته و اهله بدعواتها على "ادريس" بالخسران و البوار.. كانت تلعنه غيضا وشوقا.. تدعو عليه.. يعني تناديه و تناجيه، لم يفهم أن اللعنات كانت وجد وصبابة وتوق للأحضان.. كان صراخا خفيا مكتوما وسط أهل وذوي قربة حميمة لا يدركون حاجات جسدها.. أو يتغافلون عنها عجزاً عن الحل لكثرة ما اعتادوا او استنكارا عليها ان ترغب في رجلها".
لقد برع الكاتب القدير يحيى مختار في وصف مشاعر الأمل التي ظلت راجيه هميد متمسكة بها تطلعاً الى عودة زوجها عندما ذكر أنها كانت تعتقد بأنها الأصل و أن أصالتها لابد أن تجعلها تنتصر على غريمتها التي تزوجها في الشمال .. فهي الوسادة و المنامة و الغطاء حتى ظنت عندما جاء "التكروري" صاحب المعجزات انها انتصرت فعلا.. فيقول الكاتب على لسانها : "الاحساس بالانتصار تحول الى يقين.. الى شئ حقيقي داخلها و داخل "أدريس" شئ يفوق حذق و مهارة تلك "المرأة" المصيوغة باللون الاحمر و الكحل الاسود".
ثم يصف الكاتب مدى حبها الروحي لزوجها باسلوب شاعري يقوله: "كان شيئا غامضا نورانيا ملتصقا بالجلد و بالكيان و الروح.. هو لا يلمس.. ولكنه يدرك، و تحسه الروح.. روح من كانت مثلها نوبية".
ثم نراه يتدرج ببلاغة وصفية مؤثرة تحمل إحساسا عميقا بما يمور ويفور في نفس هذه الانسانة البائسة.. عندما خذلها هذا الزوج الغادر بلا رحمة و لا شفقة و استبد بها اليأس من عودة زوجها.. فقتل الاحساس الروحي الكامن في اعماقها حيث يقول: " كان الأمل باقياً بسبب ذلك الشئ المكنون كالكنز في رحم روحها.. ولكن اليوم فقط خرج "ادريس" الى الأبد من حياتها.. انسل خارجاً مبارحاً جسدها.. متفصدا كالعراق من مسامها..".
ثم يصف كيف تحول الحب الى كراهية سوداء.. بسبب الغدر و الخيانة: "كيف تبخر وتبدد؟ فراغ لا جدوي منه.. سخط أسود.. و غضب مستبد يمور و يفور في عروقها بقدر ما كان ذلك اليقين متمترساً.. ولأول مرة في حياتها، تدعو من حشاشة قلبها صادقة على "إدريس" ولاول مرة تشعر بكراهية سوداء حتى الموت نحوه.."
ثم يقول واصفا احساسها البائس الكئيب بعد أن هجرها زوجها إلى الأبد قائلاً:
"الآن انتهى كل شئ و كتبت عليها الوحدة إلى الأبد.. عليها أن تظل في "الجنينة و الشباك" و تنضم الى آخر عمرها لباقي المطلقات و الأرامل و العوانس و العجائز.. مخزن الحطام البشري، حيث كل المحطمين أمثالها ".
ثم وصل بها الى القرار المحتوم الذي تتخذه الزوجة النوبية عندما سيتبدد اليأس في نفسها بسبب استحالة عودة زوجها.. حيث جمعت حفنات التراب التي كانت ترمز إلى عودته.. و ذهبت لترميها في النهر.. فجرفتها مياه النيل و غاصت في أعماقه.. ليكتشف أهل قريتها جئتها طافحة بعد أيام.. و لا أحد يعلم هل أصابها الدوار بسبب الحزن و اليأس؟.. أم هي الرغبة اللاإرادية في التخلص من حياتها البائسة.. لا أحد يعلم سوى "راجية هميد" نفسها التي سكنت الى الأبد. إلا ان هذه المرأة المهجورة البائسة لم تكن بالنسبة للكاتب يحيى مختار حالة خاصة.. وانما كان يعبر بها عن قريته "الجنينة و الشباك" التي هجرها اهلها من أجل لقمة العيش.. من خلال رؤية الشيخ توفيق لها عندما نزل عليه الخبر كضربة الفأس .. وتركه في حيرة وحزن والدموع لتسيل من عينيه.. إن راجية هميد كانت بالنسبة له خالة و أختاً وبنت عم وأماً وزوجة.. هي مضفورة في نسيج عريض واسع من القرابة و النسب وصلة الدم والرحم يمتد من "توشكي" شرقها و غربها.. و بكل نجوع "الجنين" و "مصمص" و "توماس و عافية" و "ابريم" و "قته" و هي كل قرى الندبة ... ثم يذكر الكاتب أن كل من كان في الموكب الحاشد المصاحب لجنازة "راجية هميد" كان يربطهم بها وشائج القربى.. و يعتقد انها تمثل في نظره قرية "الجنينة و الشباك" التي هجرها اهلها.. و ستموت بسبب الفقر و الإهمال.
أن خلاصة ما نصل اليه من افكار يوحيها لنا الكاتب يحيى مختار من خلال أحداث قصة "تبدد.. مرئية الجنينة و الشباك" ان الواقع المؤلم الذى يعيشه أهل تلك المنطقة لن يتغير عن طريق الأحلام التي اراد بشير غطاس تحقيقها من خلال تقمصه لشخصية "الشيخ النكروري" وانما من خلال اهتمام المسئولين بتوفير مساكن ملائمة للسكان المهاجرين.. و أعمال زراعية يرتزقون من ورائها كما كانوا يفعلون من قبل في قراهم التي أدى وجود خزان اسوان من قبل و السد العالي حاليا الى خرابها.. حتى يتمكن هذا الشعب العريق الذي ارغم على الرحيل بسبب الفقر و البؤس.. ان يلتئم شمله حول بحيرة هذا السد لكي يحافظ على تراثه القديم و يتمتع بخيرات بلاده ويساهم في تقدمه.
Salwa Almoayyed