RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

حديث عن الفن والمجتمع

بقلم : سلوى المؤيد


    شاب هادئ وخجول .. ذلك كان انطباعي عنه عندما رأيته لأول وهلة وهو مقبل نحوي لأجرى معه هذا الحوار .. ولكنني عندما وجهت إليه أسئلتي لكي يجيب عليها وجدت إجاباته تنم عن شخصية تخالف من يراه لأول مرة .. فهو جريء في أفكاره٬ مكافح ٬ ينقد دون مجاملة وبقصد البناء ٬ قوي الشخصية .. وهو من الأشخاص القلائل الذين يتصرفون وهم مقتنعون بتصرفاتهم ومؤمنون بها .
 اسمه أحمد باقر .. عمره 25 عاما ً.. تخصصه الرسم .. يعبر به عن اختلاجات نفسه وما ينعكس عليها من النظرة الأولى .. إلى الآن لم يتعمق كثيراً في رسوماته  ..  

-  ربما انضج أكثر بعد ذلك .. ربما أظل كما أنا أرسم وأعبر من خلال نظرتي الأولى للأمور لا أدري ماذا  سيأتي به الغد.

* أين تدرس الآن ؟
- في مدرسة بوزار للرسم في باريس .. وربما لا يناسبها أسم مدرسة فليس بها نظام المدارس العليا .. لا يوجد دروس إجبارية على الطلبة خصوصا ً من الناحية التطبيقية وإنما يوجد حرية في العمل والخلق وفي انتهال المعرفة من أي بحر في فنون الرسم.

* ما هو منهج دراستكم ؟
- مثلما قلت لك لا منهج إجبارياً كلي علينا ولكن هناك بعض المواد التي علينا دراستها منها مواد تدور حول تاريخ الفن هذا من الناحية النظرية أما من الناحية التطبيقية فندرس تكنيك الرسم و الموزايك أو الفسيفساء وتـُلقى علينا محاضرات عن الهندسة بشكل مبسط وعام.

* إذا ً ما هي مهمة المدرس ؟
- المدرس لا يفرض أسلوباً معيناً من الناحية التطبيقية وإنما يترك للطالب حرية الخلق فيطور نفسه بنفسه من خلال ما يرسمه ويتيح له حرية النقاش معه وربما تعجبين إذا ذكرت لك إن كثيراً من الفنانين الذين درسوا في هذه المدرسة قد فرضوا أساليبهم عليها واستفادت منهم المدرسة كثيرا ً.
فهي تدع العبقرية والإبداع في الرسم تنمو وتترعرع في جو من حرية التعبير عن الرأي بالريشة والأصباغ.

* وكيف ينتقل الطالب إلى فصل آخر؟
- بعرض أعماله التي قام بها خلال السنة ويقوم الأساتذة بتقييمها وتكون النتيجة على أساس مقدرته وأجادته التي تبرز من خلال تلك الأعمال.

* ولكن هل كانت هذه المدرسة في الماضي كما هي الآن ؟
- لم تكن كذلك كانت كلاسيكية الطابع في نشاطها وأساسها الأول أكاديمي .. وذلك في القرن السابع عشر ولكنها تطورت بعد ذلك وفتحت الأبواب لممارسة كل الاتجاهات في الرسم وأصبح أساس الدراسة التطبيقية فيها هو ترك الحرية للطالب من ناحية العمل والخلق..

 * وهل يستفيد الطالب منها ؟
- إذا كان لديه اتجاه معين يجده في هذه المدرسة عندئذ سوف يستفيد كثيرا ً من وجوده بها.
                                                  
* وأنت أي اتجاه اخترت ؟
- أنا لم أتبع أي اتجاه ولا أؤمن بالمدارس إطلاقاً ربما أرسم بروح عصرية أو بروح كلاسيكية أو خليط بينهما ولكني أؤمن بأن الرسام يعبر في رسوماته عن اختلاجات نفسه ويستطيع بأفكاره وطريقته في التعبير عنها أن يخلق اتجاها جديداً إذا كان جاداً في عمله.
                                                        
* وهل تنوي التخصص أكثر؟
- أرغب في المزيد دائما ً.

وانتقلنا إلى الحديث عن رسوماته فذكرت رأيي فيها قائلة:
 * عندما رأيت ما رسمته لاحظت التشويش وعدم الوضوح .. فما رأيك وما تعليلك لذلك ؟
- أجابني متحمسا ً .. أنا لا ارسمها مشوشة وغير واضحة وإنما من الزاوية التي أنظر من خلالها إلى الأمور وعلى أساس نفسيتي في تلك اللحظة فأنا عندما أرسم منظرا ً أو امرأة .. لا أعبر عنهما كما يراهما الناس بل كما أراهما أنا بأحاسيسي وبطريقتي الخاصة في النظر إلى الأشياء ومن خلال نفسيتي التي أكون عليها في تلك اللحظة ٬ وقد رسمت خلال السنوات التي قضيتها في المدرسة حوالي 30 رسما ً.

* وهل ستقيم معرضا ً لتلك الرسومات ؟
- في 12 أبريل ولمدة خمسة أيام.

* كم عاما ً أنهيت من دراستك وكم عاما ًتبقى ؟
- مضت ثلاثة أعوام ولم يتبق سوى هذا العام وهو الأخير.

* هل كنت تعود إلى البحرين خلال تلك السنوات في فترات متقاربة؟
- آخر مرة عدت إلى البحرين كانت قبل عامين وهذه المرة فقط.

* إذاً هل لاحظت تغيرا ً من الناحية العمرانية والاجتماعية فيها ؟
- من الناحية العمرانية لم يحدث تغير كبير ولكن من الناحية الاجتماعية لاحظت تغيراً كبيرا ً في المظهر فالنساء في الشوارع يسرن بحرية وبآخر صيحات الأزياء دون أن يتعرضن للمضايقة من أحد وقد أصبحن أكثر جمالا ً من السابق ربما يعود ذلك إلى اهتمامهن بأنفسهن .. وأرجو أن لا تعتبري ملاحظاتي سطحية لأنها كل ما أتيح لي معرفته .. فلم يتيح لي معرفتهن عن قرب لأتعرف على شخصياتهن .. أما الشباب فلي منهم أصدقاء كثيرون أصبحوا طبيعيين أكثر ومنطلقين بمرح ولا أدري ماذا يدور في أعماقهم لأن فترة إجازتي قصيرة شهر ونصف فقط ولا تكفي لمعرفة البلاد معرفة عميقة بعد انقطاعي عنها لمدة عامين كاملين.

ماذا كنت تتمنى أن ترى وأنت تسير في شوارع البحرين من وسائل الترفيه ولم تجده ؟
- المقاهي ذات الديكور الحديث مثل التي تملأ أسواق أوروبا وشوارعها وتوجد مثلها بصوره مصغرة  في شارع الحمراء في لبنان .. الناس هنا تعمل أكثر مما تعيش.

* هل تشعر أنك غريب عن مجتمع البحرين ؟
- بالعكس سرعان ما شعرت بالألفة فيه .. إذا كان الغريب يشعر بالألفة فكيف بابن البلد.
 
* وانتقلنا إلى الحديث عن فرنسا بلد الثقافة والجمال .. و طلبت منه أن يحدثني عن فرنسا.
- عن أي شيء بالتحديد ؟
 
* عن الشباب الفرنسي عن الناس وحياتهم الاجتماعية ؟
- الشباب الفرنسي خليط من كل الأنواع فهناك المتحرر جدا ً .. والمعتدل .. والمحافظ .. و الهيبي في أفكاره وحياته .. هم في الغالب مغرورون .. ومعاملتهم لبعضهم البعض وللأجانب تتسم بالجفاف يحبون العيش لأنفسهم ولكن تفكيرهم عالمي وأنا لا أعد هذا حكما ً عليهم .. لأني أعتقد أنه لا يوجد شخص يستطيع أن يحكم ويكون عادلا ً في حكمه ربما أكون قد تأثرت ببعض المقالات أو ببعض الأشخاص أو بالتفرقة العنصرية الموجودة هناك كما هي في أي بلد أوروبي ولكن ذلك لا يمنع من أن لدي

أصدقاء فرنسيين يتميزون بالطيبة واللطف .. وكلما توغلت في القرى الفرنسية رأيت طيبة الشعب الفرنسي الحقيقي لأن العاصمة أصبحت خليطا ًمن الأجانب.. والفرنسيون أنفسهم أثرت فيهم الحياة الصناعية المادية فانعكس ذلك على معاملاتهم ونفسيتهم.

* والفتاة الفرنسية ؟
- أنيقة ومثقفة وجميلة.. تتمتع بحرية التصرف في شئونها الخاصة.                                                           
* هل أثرت فيك الحرية التي تتمتع بها الفتاة الفرنسية؟ وهل سينعكس ذلك على اختيارك لزوجة المستقبل ؟
- بالعكس أنا أرى إن حريتها حق مطلق لها ويجب أن تتمتع به الفتاة البحرينية أيضاً .. ولن يؤثر ذلك على تفكيري عندما سأختار زوجة المستقبل سيهمني في علاقتي بها الحب .. والتفاهم .. والانسجام .. وإخلاص كل منا للآخر.. ولن يهمني ماضيها في شيء فهو من حقها وليس لي حق مناقشتها فيه.

* ولكن هل ترى فرقا ً كبيرا ً بينهما في الشكل والجوهر؟
- من ناحية الشكل أرى السمرة الغالبة لدى البحرينيات والبياض الغالب لدى الفرنسيات .. أما من ناحية الأناقة فقد أصبحت الفتاة البحرينية تنافس الباريسية في هذا المجال .. ومن ناحية الجوهر فأنا لم احتك بالفتاة البحرينية كثيرا ً لأعرف جوهرها وما لاحظته على الفتيات قريباتي اللواتي احتككت بهن النضج في التفكير والثقافة أكثر من قبل وربما كانت البحرينية أفضل في الثقافة من الباريسية بالقياس لأن الباريسية يشجعها على أن تقرأ وتثقف كثرة المكتبات وأتساعها وانتشار المتاحف والمسارح ودور السينما في كل مكان وكثرة الاجتماعات بين الناس .. فالدولة تهتم بالثقافة وذلك ينعكس على اهتمام الأفراد بها .. أما هنا فالأمر يختلف كثيراً .. يوجد قليل من كل ما ذكرت وأحيانا ً لا يتاح للمرأة أن تختلط بالناس كثيرا ً والمرأة هنا إذا أصبحت مثقفة وناضجة فهذا كثيرا ً منها وبذلك تصبح أفضل من الباريسية.

* هل تفضل الإقامة في باريس باقي حياتك ؟
- أحب الإقامة في فرنسا وليس في باريس بالتحديد ولكن ليس بصفة دائمة فللبحرين أفضلية في نفسي.

* من يسمع آرائك يعتقد إنك قد نشأت في بيئة متحررة فهل أنت كذلك ؟
- بل هي محافظة ولكنني فرضت على والدي أرائي وتفكيري الشاب وشخصيتي.

* ما نوع علاقتك بوالدك ؟
- أبي يختلف عنى فكريا ً ولكني أتحدث معه في مختلف أمور الحياة وأتحدث معه في كل شيء بصراحة رضي أم لا المهم أن أصارحه ولا أكذب عليه وأشعر الآن إنه راضٍ عني.

 * هل تغيرت أفكارك الآن عن أفكارك في السابق ؟
- لا لم يتغير شيء ٬ ولكني أشعر إني نضجت أكثر بسبب الغربة و الكفاح .. أما من ناحية المرأة فقد كنت أحترمها كثيرا ً وأحترم حريتها الشخصية ولا أزال وربما كان هذا التفكير هو الأساس لتقبلي السريع لأفكار مجتمع أوروبا المتحرر بالنسبة للمرأة.

 وعدنا في حديثنا إلى الفن الذي أحبه وكافح من أجله وسألته:
* ما رأيك في الفن في البحرين ؟
- رأيته قليلا ًرغم وجود المواهب الفنية الكثيرة .. ربما يعود ذلك لعدم توفر أماكن للاحتفاظ فيها بالفن البحريني والفنانين في الرسم .. أنهم يتكلمون أكثر مما يعملون بجدية .. بعضهم يرسم بعمق وبعضهم يرسم بسذاجة ولم تبرز اتجاهات جديدة ومبتكرة .. ربما أكون قاسياً في نقدي لهم ولكني أريد أن أنبههم عسى أن ينهضوا من غفوتهم ويبدعوا ويعطوا للفن شيئاً جديداً.

* هل تعتقد إن الفقر هو السبب في قلة ظهورهم ؟
- وهنا أحتد قائلا ً في حماس .. الفقر.. لا أعتقد ذلك .. لماذا لم يمنعني أنا من الكفاح كنت فقيرا ًولا أزال لم أجد المال الكافي للدراسة في الخارج فأبي لا يملك الإمكانيات لتعليمي ولكني لم أبالِ غامرت بالذهاب إلى فرنسا تدفعني الرغبة الشديدة في التخصص في الرسم .. رسمت هناك وبعت لوحاتي بأثمان زهيدة لكي أعيش لقد مرت على أيام صعبة كنت أعاني فيها من الفقر ولكنني لم أبالِ لأني كنت مصمماً على الكفاح لمواصلة طريقي وتحقيق هدفي .. اجتزت عدة امتحانات في المدرسة التي ذكرتها ونجحت بتفوق مما حدا بالحكومة الفرنسية إلى تعليمي على نفقتها الخاصة لم يساعدني أحد في كل ذلك .. هناك الفنانون يشقون طريقهم بالكفاح والعمل وربما يكون بروزهم أصعب من بروز الفنانين البحرينيين .. لأنهم هناك كثيرون فيضيعون وسط الكم الكبير من الأعمال .. وهنا قلة يبرزون من خلال أي عمل فني جيد والعمل الفني المبدع يفرض نفسه على الغير ويلفت إليه الأنظار رغم كل شيء.
 
 * وفى النهاية سألته عن التربية الفنية في المدارس فأجاب ؟
- ليس هناك اهتمام قوي من قبل وزارة التربية والتعليم نحو مادة الرسم وأتمنى أن يزداد الاهتمام بهذا الفن العريق أكثر فأكثر ويبرز في البحرين رسامون عمالقة يضيفون شيئاً جديداً إلى عالم الرسم ..

   وعندما انتهت أسئلتي وانتهت إجاباته تيقنت إن المظاهر تخدع في أكثر الأحيان كما ذكرت في بداية اللقاء وإن فناناً جديداً في أفكاره وفى اتجاهاته الفنية سيبرز في المستقبل القريب في البحرين إذا واصل كفاحه وظل على عزيمته الصلبة وتصميمه القوي في مواصلة الطريق ومن ثم في التجديد والإبداع في هذا الفن الأصيل.  
 

ـــــــــــــــــــ


Share this article