RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

العدة بين الوهم والحقيقة

بقلم : سلوى المؤيد

تضيع مفاهيم الدين الإسلامي وسط الكثير من الأفكار التي يخلقها الجهل .. فتترسب في العقول الجاهلة وتصبح أقوى في سيطرتها مما يتطلبه الدين .. لنأخذ مثلاً على ذلك عدة الوفاة .. وهي الأربعة أشهر وعشرة أيام التي فرضها الدين الإسلامي على الزوجة بعد وفاة زوجها ، لكي يتم التأكد خلالها ما إذا كانت حاملا ً من زوجها أم لا قبل أن تفكر في الزواج من غيره .

ترى إلى أي حد حرفها الجهل وابتعد بها عما يتطلبه الدين الإسلامي ؟

عندما تحدثك إحدى النساء عن التعاليم المفروضة على المرأة المعدة ، تقف مذهولاً أمام تحريف العدة إلى هذا الحد مما يجعلها سجناً قاسياً يجب أن تقضي فيه الزوجة الحزينة أيامها وعليها أثناءها أن تطبق أشياء لا أدري لماذا أدخلت عليها وتدهش أكثر من تسلط هذه الأفكار الخاطئة على عقول الناس مما يعرض المرأة التي تخالفها مطبقة ما فرضه الدين الإسلامي إلى الطعن في شرفها أو في مشاعرها تجاه زوجها الراحل ..

قالت لي إحدى النساء التي لم توافق على أن أذكر اسمها خوفاً من السنة العقول المتعصبة عندما ذهبت إليها لأتعرف على هذه الأفكار الخاطئة التي تطبقها النساء المسنات دون نقاش والشابات حتى ولو كن لا يؤمن بها خوفاً كما قلت من قبل من السنة الناس إلى يومنا الحاضر ..

" العدة كانت ولا زالت سجناً مدته أربعة أشهر وعشرة أيام يجب أن تقضيها المرأة إذا لم تكن حاملاً عندما توفى زوجها إذ يجب عليها حينذاك أن تحبس نفسها إلى أن تضع مولودها وعليها أثناء ذلك أن لا ترى أي رجل يحل لها حتى لو لم يتجاوز السبع سنوات ولا تخرج أبدا حتى إذا كانت بحاجة إلى العمل لكي تعيل أبناءها .. أو لتقضي حاجات بيتها ومتطلبات حياتها وحياة أولادها" .

* ولكن الدين الإسلامي يسمح للمرأة أن تعمل أثناء العدة من أجل أبنائها ؟
 - الدين الإسلامي وما يفرضه شيء وهذه التقاليد البالية  شيء آخر .. دعيني أسرد عليك بقيتها.

 انتظرت أن تكمل حديثها وأنا في شوق لسماع بقيته وكلما سردت عليّ شيئا ً ازددت دهشة من هذه التخاريف والأوهام التي يصل بعضها إلى درجة يأبى أي عقل يفكر أن يصدقها .. بل هي معتقدات تسيء كثيراً إلى الدين الإسلامي وتضفي عليه هالة من التعصب والأفق الضيق .. ويؤدي إلى حبس امرأة حزينة هذه المدة الطويلة مع ما هي عليه من حزن وكآبة تزداد في ظل وحدتها إلى أن تصاب بمرض نفسي أو انهيار عصبي .. وهى ليست بحاجة إذا كانت شريفة لكي تثبت إذا كانت حاملاً من زوجها الأول أم لا .. إلى متى تظل بعض العقول المتأخرة تنظر إلى أخلاق المرأة هذه النظرة الضيقة .. فلا ترى أن الفضيلة إرادة ونية صادرة من أعماق المرأة الشريفة عن  إيمان بأنها أفضل سبل الحياة .. فالمرأة بهذا المفهوم تصبح شريفة حتى لو خرجت ألف مرة وعملت في أي عمل مختلط لأنها ذات ضمير حي وعقل واع ٍ لمعنى الخلق الفاضل.. أما الحبس الإجباري وعدم رؤية أي رجل أمام الناس الذي فرضته التقاليد لامرأة فاسدة الأخلاق أصلاً لن يثبت لنا أنها حامل من زوجها الأول أو من غيره فهي تستطيع أن تفعل ذلك تحت ستار الظلام.

وأعاد ذهني من تأملاته الفكرية صوت المرأة مستطردة في حديثها.
- عليها أن لا ترى نور القمر .. إذ أنهم يعتقدون بأنه رجل والشمس امرأة يجوز رؤيتها .. ولكنهم الآن تراجعوا عن هذه الفكرة بعد أن علموا أن القمر كوكب حجري بعد غزو الفضاء .
قلت لها .. ضاحكة وأنا أزداد شوقاً لمعرفة المزيد :

* وماذا أيضا ً؟
 - بعد اختراع التليفزيون فرضوا عليها أن لا تشاهده .. إذ كيف ترى الرجال من خلاله وقد حرم عليها رؤيتهم  طوال فترة عدتها .. هذا بالإضافة إلى الأمور المفروضة عليها من قبل .. من عدم مسك الملح والرماد وقلب جميع المرايا في البيت لكي لا تشاهد وجهها أثناء العدة .

* سمعت أن على الزوجة المعتدة أن ترتدي ملابس خاصة ؟  
-  عليها أن لا ترتدي أي ملابس شاهدها عليها زوجها أثناء حياته أما لباس العدة فيجب أن يكون القماش أما أزرق في لون قبة السماء أو أخضر ممزوجا ً بالأزرق مثل لون البحر .. أما هذه الملابس ومشطها ونعالها وسجادتها وغطاء صلاتها فيجب أن لا يستعملها أحد معها .. وعندما تنتهي عدتها يجب أن تذهب بها وهي معصوبة العينين إلى البحر لترميها فيه .. وأول شيء تقع عليه عيناها هو البحر لأن أول رجل تراه بعد خروجها من العدة يموت فوراً .

سكتت قليلاً ثم أكملت قائلة :
- يجب أن تسدل ستائر بيتها أثناء النهار .. ولا تلبس أي حلي وأن تصلي مع الأذان لا بعده ولا تخرج طوال فترة العدة إلا طلعة واحدة  لا أدري لماذا حللوا هذه الطلعة  وهناك بعض النساء يعتقدون أن على المرأة المعتدة أن لا تعمل في بيتها أثناء العدة إذا كانت تستطيع أن تجلب خادمة لعمل البيت .. وأن تغطى جسدها كله وهي في البيت " أي وحشة وأي فراغ تعيشه هذه الزوجة المسكينة خاصة إذا كانت تحب زوجها وحرمها الموت منه .. لا ولا يكفي هذا بل عليها أن ترتدي ملابس تغطي جسدها كله من شعرها إلى أخمص قدميها فى عز الحر .

* لماذا كل ذلك وهى قابعة في البيت ولا يشاهدها أي رجل؟
- ربما جاء إليها فجأة من يسأل عن بيت مجاور .. أو لإحضار غرض أرسله إليها أهلها ..

* وماذا لو لم تنفذ الزوجة المعتده هذه التعاليم ونفذت تعاليم الدين الإسلامي فقط؟
- إذا كانت تريد أن تحفظ سمعتها من المس من قبل تلك العقول المتأخرة وأن لا تفقد احترام واتصال أهل زوجها خاصة إذا كانوا يعتقدون بهذه الأفكار .. يجب عليها تنفيذ هذه التعاليم كلها أو بعضها على الأقل خاصة فيما يتعلق بعدم الخروج نهائياً.

أخذت معلوماتي كلها وذهبت إلى الشيخ عبد الله الفضالة لكي أتعرف على العدة التي فرضها الدين الإسلامي ..
 قلت له :

* هناك مفاهيم كثيرة خاطئة تتعلق بالعدة .. أرجو من فضيلتكم أن توضح ما هو المقصود من العدة؟
- العدة المفروضة على المرأة في الجاهلية كانت تبلغ سنة كاملة لا تتزين ولا تتعطر خلالها ولا تأتي بأقل شيء يدل على الفرح.. وعندما جاء الإسلام وجد أن في ذلك مشقة كبيرة على المرأة فقلل أيام العدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام و

هي المدة التي في نهايتها يتحرك الجنين عندما تنفخ فيه الروح .
 ويكمل الشيخ حديثه قائلاً .

- لم يصرح القرآن والرسل  بالحداد إلا على الزوج من قبل الزوجة فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الأخر أن تحد إلا على الزوج .. ولم يذكر فضيلة الشيخ نهائياً ما كان على المرأة من أن تظل حبيسة البيت أو أن تطبق الأمور التي فرضتها تلك المعتقدات باستثناء الاحتشام وعدم التطيب والتزين وعدم لبس الجديد من الملابس الزاهية.

   أما المرجع الآخر الذي عدت إليه فهو كتاب " الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي “ مع بيان ما عليه العمل في محاكم الكويت للدكتور أحمد الغندور وقد طبع سنه 1972.. وقد ذكر فيه الدكتور الفاضل كل ما ذكرته من قبل عن سبب عدة الوفاة وما جاء من معلومات جديدة لم نذكرها من قبل هي أن على الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً ومات زوجها وهي في عدة الطلاق، أن تبدأ في عدة الوفاة وتنهدم بذلك عدة الطلاق الرجعي .. أما إذا طلق الزوج زوجته وهو على فراش الموت متعمداً أن لا ترثه .. فإنها ترثه وتعتد عدة الوفاة والطلاق معاً على أن تكون المدة الأقصر هي التي تنتهي عندها عدتها وهي بالطبع عدة الطلاق ومدتها ثلاثة أشهر .

   وقد ذكر الدكتور في كتابه هذا أن للمرأة المعدة الحق في السكن في بيت زوجها.. إذ يقول الله سبحانه وتعالى   "لاتخرجوهن من بيوتهن ، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " والحكمة من هذا أن تكون بذلك قريبة من ذكرى زوجها الراحل فتقوم بواجب الوفاء له .. إلا إذا وجد مانع لإقامتها في مسكن الزوجية .. أما الحداد في عدة الوفاة فيستوجب خلالها على المرأة أن لا تتزين ولا تلبس حلياً ، ولا تتعطر ولا تضع الكحل إظهاراً للأسف على وفاة زوجها ولها أن تخرج نهاراً لقضاء حوائجها .. أي متطلباتها الدنيوية ويختلف المذهب الحنفي عن المذهب المالكي في ضرورة إيجاد سكن للزوجة المعتدة بسبب وفاة زوجها .. إذ يعتقد الحنفية بعدم وجوب النفقة عليها أثناء العدة وبالتالي عدم ضرورة إيجاد سكن لها.

أما المالكية فيرون أن لا نفقة لها ولكن يجب أن يكون لها سكن يحسب لها قبل أن توزع التركة على الوارثين والدائنين .. ويرون في حالة تعذر إقامتها في بيت الزوجية أن لها الحق في اختيار المسكن الذي تريده ولها الحق في أن تخرج لقضاء مصالحها.. وقد روى عن السيدة عائشة زوج الرسول عليه الصلاة والسلام إنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها وقد أخرجت معها إلى مكة للاعتمار أختها أم كلثوم بعد أن قتل زوجها طلحه بن عبد  الله .
 
 وقد أفتى بعض الفقهاء وهم الحسن، وعطاء، وطاوس  بهذا الشأن قائلين .."المبتوتة والمتوفى عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان " أي تبيتان في غير بيوتهما ..
                                                              
   وبعد أرجو أن أكون قد استطعت أن أوضح حقيقة عدة الوفاة  في الدين الإسلامي الذي يضع للفضيلة النابعة من الأعماق شأنا ً ، بدلاً من أن تضيع النساء في متاهات الأوهام والخرافات التي يزرعها الجهل في العقول .. وتستقر في الأذهان إلى درجة لا يسمح معها النقاش أو المعارضة وكأنها من صميم الدين الإسلامي وهي لا تمسه بصلة إلا فيما ذكرته من أشياء وجبت على المرأة  أثناء حدادها على زوجها خلال الأربعة أشهر وعشرة أيام .


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

Share this article