RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

زيارة إلى مركز الأحداث

بقلم : سلوى المؤيد

قلوب بريئة نخرها الجهل وزرع الإهمال الشوك الدامي في طريقها ليمزق نفوسها الحائرة النقية ويدفعها إلى طريق الإجرام والمستقبل المظلم وسبب كل ذلك آباؤهم وأمهاتهم.

بحر من الضياع المأساوي يعيشه هؤلاء الأطفال التعساء ونظراتهم الحزينة ترمقني وتتساءل عن مجيئي وأنا لا أستطيع أن أكبح الحريق المشتعل في أعماقي حزناً وأسىً على الطفولة المعذبة.. يقتلني منظر طفل يتألم ويشقى.. بودي أن يعيش الأطفال حقيقة المرحلة التي يمرون بها.. انطلاق وبراءة خالية من أي شوائب حزينة.. ولكن يبدو من ملامح هؤلاء الأطفال والتعاسة المرسومة على وجوههم أنهم لم يمروا أبدا ً بهذه المشاعر.. أحدهم رمته أمه في إحدى الزوايا خوفاً من عار ارتكبته.. لتجني عليه في رحلة حياته كلها وكلمة لقيط تلاحقه وتلهب بسوطها القاسي ظهره الضعيف وتدفعه إلى الانتقام من المجتمع.. وآخرون خرجوا إلى الحياة ولم يجد آباؤهم ما يسد رمقهم ويكسو أجسادهم ليقضوا أيامهم في حرمان وجوع يحرضهم على السرقة والاعتداء على ما عند الغير لإشباع رغبات طفولية.. وطفل آخر انفصل والداه بالطلاق وأم ابتعدت عنه في بحر ملذاتها.. وعرفت مشاعره الحقد قبل أن تعرف الحب.

قصة بعد أخرى تنبع من بحر الجهل تحكي مأساة الأب الجاهل والأم الجاهلة وأبناء يعيشون جحيم واقع كتب عليهم دون أن تكون لهم إرادة فيه.

كنت في مركز الأحداث الذي افتتح في 15 سبتمبر عام 1973 برفقة ملازم أول عائشة الذوادي لأتعرف على الدور الإنساني الذي يؤديه لهؤلاء الأطفال المعذبين .. سردت علي مساعدة الضابطة نورة عبد الله مآسيهم.. وأطلعتني على ملفاتهم .. وتساءلت عن مهمة هذا المركز هل يساهم في تنقية نفوسهم بعد أن عكرها من يحيط بها.. هل يراقب تصرفاتهم بعد خروجهم منه.. هل يؤهلهم لمستقبل مشرق ؟
وإجابة على تساؤلاتي.. حدثتني مساعدة الضابطة عن الخدمات النبيلة التي يقدمها هذا المركز التابع لوزارة الداخلية للأحداث المنحرفين.

 -  مهمتنا أولاً أن نحميهم من معاشرة السجناء الكبار فهم يتعلمون منهم أمورا كانوا يجهلونها قبل دخولهم السجن فينحرفون إلى الإجرام بصورته البشعة وتابعت قائلة :
  - هنا في المركز يعيشون مع أطفال في مثل سنهم .. ليس لديهم خبرة في عالم الإجرام جنايتهم بسيطة بل أكثرها لإشباع رغبات طفولية يسببها الحرمان والجوع وعقوبتها لا تتعدى الثمانية أشهر .. أما ماذا نقدم لهم من خدمات فهو يتركز في جانبين .. جانب ترفيهي وجانب ثقافي.

   لكي نرفه عنهم نقدم لهم ما يرغبون فيه من هوايات بعضهم يميل إلى نحت الخشب فنقدم له خشبا ً وآلة للحفر وألوانا ً .. وبعضهم يميل إلى القراءة فيقرأ القصص التي يستعيرها من المكتبة العامة يوم الاثنين وهذا اليوم المخصص لهم لزيارة المكتبة العامة إذ أنهم يتسلون ويتثقفون إلى جانب ما تقدمه لهم إدارة المكتبة من أفلام ثقافية خلال هذه الزيارة ترشدهم إلى الخير والعمل والبناء.

* والرياضة ألا تدخلونها ضمن برامجكم الترفيهية؟
- بل هي أمر ضروري عليهم أن يمارسوه كل يوم.. إذ أننا نخصص لهم وقتاً محدداً بعد أن ينهوا أعمالهم اليومية من تنظيف وتغسيل.. لممارسة أنواع من الرياضة، شد الحبل.. قفز عريض وقفز عال ٍ وتنس طاولة ومصارعة.. ولعبة الكراسي.

واسترسلت قائلة:
  - بعد أن ينتهوا من الرياضة يعودوا إلى غرفة التسلية ليلعبوا. أما لعبة الورق أو كيرم أو الدوامة أو يقضوا وقت فراغهم في قراءة القصص والمجلات أو في ممارسة هواياتهم من رسم أو حفر على الخشب.    
* وسألتها عن وجبات الطعام التي تقدم لهم؟
فقالت:
- في الصباح فول وخبز وفاصوليا وحليب وشاي.. وفي الغداء نقدم لهم اللحم والسمك على شكل برياني أو مكبوس أو مرق مع الخضار إلى آخر الأكلات البحرينية.. أما عشاؤهم فمكون من خضروات مسلوقة أو مقلية مع خبز.

* هل ترتبون لهم ضمن برنامج الترفيه أوقاتاً للنزهة مع أحد المسئولين عنهم؟
هزت رأسها تنفي وجود هذا النوع من الترفيه، ولكنها قالت:
- إذا ظل الحدث فترة طويلة في المركز ندعه يزور أهله يومي الخميس والجمعة حيث إن بعض العائلات المتعصبة ترفض زيارة أحد أبنائها في المركز فنسمح للطفل بزيارة أهله ساعتين في الأسبوع حتى لا يشعر أنه منبوذ ولا يهتم به أهله.

وعادت تقول:

 هل تصدقين أن بعضهم لا يزورهم أحد. ينساهم أهلهم أو لا يهتمون بهم.. ولا تتصوري مقدار ما يشعر به هذا الطفل من الوحدة والضيق الذي ينعكس على ملامح وجهه وتصرفاته.
شعرت بغصة تعترض حلقي.. لماذا يأتون بهم إلى الحياة إذا كانوا لا يستطيعون حتى الإحساس بهم..

* والدراسة هل تؤمنون لهم جوا ً دراسيا ً يستطيعون أن يكملوا عامهم الذي بدأوه واضطروا إلى قطعه بسبب انحرافهم؟
- هذا النوع من التدريس نوفره للمنحرف خاصة إذا صادف قرب امتحانه وهو في مركز الأحداث نقوم بجلب مدرسين لتدريسه وعندما يمتحن نقوم بإيصال إجاباته إلى وزارة التربية والتعليم.. ويتسلم شهادته.


قلت لها:

*  وبالنسبة للتدريس الرسمي المتواصل بشكل عام هل لديكم نية في إيجاده؟
- أعتقد أن إيجاد مثل هذا التدريس صعب لأن المنحرف يقضي فترة من الوقت بيننا وبعد ذلك يغادرنا إلى بيته.. فكيف نستطيع أن نجعله يواصل تعليمه.

قلت تعقيباً على كلامها:

- ولكن وجود الطفل المنحرف في المركز والجو المحيط به يشجعه على الدراسة بينما بيئته بكل ما يحيط بها من مساوئ الجهل والفقر تدفعه إلى الانحراف والبعد عن الدراسة.. أعتقد أن من الأفضل بقاء المنحرف في المركز لا كسجين بل كنزيل عادي يعيش فيه برغبته ويقوم المركز بتدريسه ورعايته.. حتى لا يعود بعد إلى الانحراف من جديد.

  - أنا معك في ذلك فهو مشروع عظيم وضروري.. ولكننا تنقصنا المادة لإحداث مثل هذا المركز بجميع ما يتطلبه من إمكانيات للقيام بالدور الذي ذكرته...أرجو أن نستطيع تحقيق ذلك في المستقبل.

وأكملت حديثها قائلة:

 -  ولكن لدينا مشروع ننوي تحقيقه.. وهو أن نوزع الأحداث كل حسب رغبته على بعض مراكز العمل بالاتفاق مع المسئولين عنها ليتدرب المنحرف مهنياً.. فيكتسب خبرة في مهنة تساعده بعد ان

تهاء مدة عقوبته.

قلت لها:

* كم حدث يوجد الآن في السجن؟
- 6 أحداث ويصل أحيانا إلى 16 أما في السنة الماضية فقد ازداد كثيراً.

* وقبل أن ينتهي حديثي سألتها عن دور الشرطة النسائية بعد أن يعود المنحرف إلى بيت أهله؟
- نقوم بزيارة والديه ونحاول إرشادهم إلى الأسلوب السليم لتربية أبنائهم تربية فاضلة تبعدهم عن طريق الإجرام.. ولكن يا للأسف منهم من ينتبه لما نقول ويحاول أن يطبقه. ومنهم من لا يبالي بما نقول ويسخر منا.
   
 



Share this article