RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

الوصية الواجبـــة هل يرث الحفيد جدة (الجزء الأول)

بقلم : سلوى المؤيد

عندما يحكم القدر أن يموت الابن قبل والده الثري ويكون له أبناء.. هل من الإنسانية أن يحرم هؤلاء الأحفاد من نصيب والدهم في التركة لمجرد أنه توفي قبل الجد؟ خاصة إذا كان هذا الأب معدم المال والأملاك إلا من مرتب شهري يتقاضاه من والده لمساهمته في جمع ثروته أو من عمل آخر يقوم به أثناء حياته.. هل من الحكمة أن يعيش هؤلاء الأحفاد في بؤس الفقر وحرمانه ومشاكله الكثيرة.. بينما يعيش أعمامهم وأبناء أعمامهم ممن شاء لهم حسن الحظ أن لا يموت والدهم قبل جدهم في عز ورفاهية كانت ستكون من نصيب هؤلاء الأبناء لو امتدت الحياة بوالدهم.. كيف نجعل مستقبل ومصير أفراد معلق بحياة والدهم أو موته ولا أحد منا يعلم متى يزوره الموت.. ربما سيقول قائل سيكون الجد حكيماً وسيوصي لأحفاده بتركة والدهم.. ولكن هل نضمن العطف والحنان في قلوب كل الأجداد.. بل هل نضمن أن الأجل لن يداهمه قبل أن يوصي ؟.. ألا يحدث أحيانا أن يموت الابن قبل والده بثوان معدودة في نفس الحادث؟.. ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى في آياته وجوب الوصية على المسلم وجعلها فرضاً وليس اختياراً.
 
الوصية للأحفاد إذا كانت اختيارية أو واجبة ثارت حولها مناقشات عديدة في عدة دول عربية.. بعض الفقهاء استدل بآيات القرآن الكريم وباجتهاد من الخليفة عمر بن الخطاب بوجوب الوصية الواجبة أو التلقائية للأحفاد بصفتهم أقرب الأقارب لمالك الثروة.. وبعضهم عارض ذلك إلا إذا أوصي لهم بتركة ابنه الذي توفى قبله بعد وفاته.

ولا أدري لماذا كل هذه المعارضة في هذا الأمر الإنساني.. ورضاء الله على كل من ينفذه واضح كما سيرد في الداخل من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.. ولقد وافقت على هذا القانون عدة دول إسلامية منها جمهورية مصر العربية سنة 1946 والجمهورية العربية السورية سنة 1953 ودولة الكويت سنة 1971 وجمهورية باكستان نظراً لإنسانيته وعدم تناقضه مع جوهر الدين الإسلامي وعلى أساس من نصوص مواد قوانينهم.

لقد وضع المحامي السيد خليفة البنعلي نائب رئيس المجلس الوطني اقتراحه بشأن الوصية الواجبة على أن يناقشه المجلس الوطني في جلساته القادمة .. ومن أجل المزيد من المعلومات عن اقتراحه وعن قوانين الدول العربية الأخرى .

حملت أوراقي وذهبت إليه في مكتبه في مبنى المجلس الوطني وبعد أن رحب بي .. جلسنا لنبدأ حوارنا .

* من الفقهاء الذين أقروا الوصية الواجبة بالنسبة للأقربين غير الوارثين وكيف استدلوا عليها ؟
- أجاب متحمساً وجوب الوصية للأقربين غير الوارثين رواه جمع عظيم من فقهاء التابعين ومن بعدهم أئمة الفقه الحديث ومنهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو حزم الظاهري وداود بن علي الظاهري .. وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين حقاً على المتقين " وقد وضع الإمام الجصاص الآية في كتابه "أحكام القرآن " قائلاً " ودلالة الآية ظاهرة في وجوب الوصية وتأكيد فرضها لأن قوله تعالى " كتب عليكم " معناه فرض عليكم كقوله سبحانه وتعالى " كتب عليكم الصيام " ثم أكد الفرض بقوله " بالمعروف حقاً على المتقين " ولا شيء في ألفاظ الوجوب أكثر تأكيداً من قوله القائل " وهذا حقاً عليكم " وبما أن الله قد خصص الوصية بالمتقين لزيادة التأكيد فإن معنى ذلك أن على المسلمين جميعاً الالتزام بها لأن التقوى مفروضة على كل مسلم مثلما يدل عليه قوله تعالى :                                                                                                                    
  " يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله " وليس هناك خلاف بين المسلمين على أن تقوى الله فرض .. فعندما جعل هذه الوصية من شرائط التقوى فقد أوضح وجوبها "

* وماذا عن آية المواريث التي قال عنها بعض الفقهاء أنها نسخت آية البقرة فيما يختص بالوصية للأقربين ؟

أجابني وكأنه ينتظر منى هذا السؤال :
- أعتبر هؤلاء الفقهاء المؤيدين للوصية الواجبة أنها خاصة بالمواريث وليس بالقريب غير الوارث كما جاء في قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " وكما جاء في الحديث الشريف " ألا لا وصية لوارث".. ويقول هؤلاء الفقهاء على أن الوصية واجبة على الشخص مثل الزكاة والكفارات وفدية الصوم وغيرها من الواجبات لله تعالى وبما على الشخص من حقوق للعباد وليس عليها دليل يثبتها مثل الوديعة والديون وقالوا أيضاً إن وجوب الوصية لم يكن لذاتها وإنما كان المقصود منها إخراج جزء من مال الشخص كحقوق واجبة للغير إذا لم يستطع هو أن ينجزها بسبب موته المفاجئ..  وذلك لأن أداء هذه الحقوق واجب عليه وقد وضعت الوصية طريقاً لأداء هذه الحقوق للغير بداية بأقرب الأقارب ألا وهم الأحفاد.

واسترسل قائلاً :
ولا يستطيع هؤلاء الفقهاء القول بأن آية المواريث قد نسخت آية البقرة فيما يختص بالوصية لأن هؤلاء الفقهاء المعارضين يعتقدون أن المقصود من آية البقرة الندب أي الاستحسان لا الوجوب ويرد عليهم الفقهاء المؤيدون بأنه لفظ حق ٍ يطلق شرعاً على ما يثبته عليه الحكم وهو أعم من أن يكون واجباً أو مستحسناً واستدل هؤلاء الفقهاء على ما ذهبوا إليه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما حق أمرؤ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه " ويقول هؤلاء الفقهاء المؤيدون للوصية الواجبة أنه يمكن الجمع بين سورة المواريث وآية الوصية من سورة البقرة وإن كانت آية الوصية فى سورة البقرة عامة تشمل الوارث وغير الوارث إلا أن آية المواريث لا تعارضها إلا بالنسبة للوصية للورثة يؤيد هذا إن الله سبحانه وتعالى قد أمر بإعطاء غير الورثة من الأقربين شيئاً عند القسمة إذ يقول سبحانه وتعالى " إذا حضر القسمة أولي القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً" كما يؤيد أيضاَ قول الرسول عليه الصلاة والسلام عندما نزلت آية المواريث  " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه إلا لا وصية لوارث " فنص الرسول عليه الصلاة والسلام على نفي وجوبها

 للوارث ولو قضى على وجوبها تماماً لما كان هناك داع لتقيد نفيها بالوارث .. أما دعوى إن آية البقرة فيما يختص بالوصية أفادت الندب لا الوجوب فهذا خطأ لأن التعبير بلفظ كتب أي فرض، وتأكيد ذلك بقوله (حقاً) أي أمراً واجباً إنما يفيد الوجوب.

* وحول اختلاف الفقهاء فيمن تجب له الوصية كان سؤالي الذي تقبله بهدوء ليجيب عليه بتركيز وبأسلوب هادئ منطقي..
- لقد كان هناك بالفعل اختلاف بين الفقهاء فيمن تكون له الوصية منهم من قال إنها واجبة فيما كثر من المال أو قل سواء كان قريبا ً أم لا واستدلوا بظاهر الآية " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيراً الوصية".. وبحديث الرسول عليه الصلاة والسلام (ما حق أمرؤ مسلم له شيء أن يوصى فيه، أن يبيت ليلتين ألا ووصيته مكتوبة عند رأسه).

أما الفريق الأخر من الفقهاء فقد رأى أنها واجبة للأقربين الذين لا يرثون وقد قال بذلك من الفقهاء الطبري وداود وابن حزم وغيرهم واستدلوا بآية البقرة .. وقالوا إن لفظ الأقربين وإن كان شاملاً للوارثين وغيرهم إلا أن الوارثين قد خصهم الله بأية المواريث وقد بقى حق من لا يرث من الأقربين واجباً .. كما إنهم قالوا إذا كان هناك نسخ في آية المواريث بالنسبة لأية الوصية في سورة البقرة فيما يختص بالوصية فإنه يكون بالنسبة للوارث فقط.. ولذا فإنهم يرون إن الوصية لغير ذي القربى مع وجود أقارب غير وارثين لا تنفذ وإنما تقرر كلها إلى أقاربه غير الوارثين.. وبما إن الوصية واجبة على كل مسلم ..فإن عدم أدائها من قبل المسلم يعد إثماً يعاقب عليه يوم الحساب ويرى ابن حزم الظاهري إن على المسلم أداء الوصية فإذا لم يؤدها وتوفى كان على من يلي أمر المسلمين تنفيذ هذا الواجب فيأمر الورثة أو الوصي أن يعطى لمن وجبت لهم الوصية شيئاً لم يحدده ابن حزم لأن الوصية نفسها لم تكن محددة بشيء وإنما يوصى مالك المال للغير ما طابت له نفسه .. ويرى ابن حزم إن الوصية واجبة للوالدين إذا كانوا كفاراً ويعدهم أول ثلاثة من أقرب أقاربه ..
                                                 
* وبعد أن اتفق الفقهاء المؤيدون للوصية في العصر الحديث ماذا يقول قانون الوصية الذي تأخذ به بعض الدول الآن ؟   
- جعل هذا القانون الوصية الواجبة محصورة في غير الوارثين من أولاد الأبناء وأن نزلوا وفي الطبقة الأولى من أولاد البنات إذا مات والدهم قبل جدهم أو جدتهم ولم يوص ِ الجد أو الجدة بشيء لهم.. ولو أن ابن حزم الظاهري لم يحدد قدراً محدداً للوصية إلا أن القانون نص على أن الوصية تجب لهم في حدود ما كان يستحقه والدهم ميراثاً لو كان موجوداً بحيث لا تزيد عن ثلث ثروة الجد.. مع إنه يوجد فقهاء معارضون للوصية الواجبة إذ لكل منهم طريقة في اجتهاده في فهم آيات القرآن.. إلا إنه قد وجد من الأفضل الأخذ بآراء الفقهــاء القائليـــن   بعدم نسخ آية المواريث لآية البقرة التي تدل على وجوب الوصية للقريب غير الوارث لما في ذلك من تحقيق مصالح الكثير من الناس وإبقاء الصلات بين الأسر في ظل المودة والمحبة.

* وماذا عن قانون الكويت بشأن الوصية الواجبة ؟
- وافق مجلس الأمة الكويتي عام 1971 على قانون معجل مقدم من الحكومة الكويتية بشأن الوصية الواجبة وصدر تحت رقم 5 لسنة 1971، ونشر في الجريدة الرسمية وأصبح منذ ذلك الوقت مطبقاً وهو من أربع مواد.

عدت أسأله:
* هذا بالنسبة لقانون الكويت ماذا عن قانون جمهورية مصر العربية بعد أن أفتى فقهاء الأزهر الشريف بجواز الوصية الواجبة لعدم تعارضها مع آيات الدين الإسلامي ولإنسانيتها.
-  يبدو لي أن قانون الكويت قد بنى نصه على قانون جمهورية مصر العربية إذ إنه يشبهه في أغلب نصه وإن اختلفت بعض الألفاظ في قانون الكويت بالنسبة للمادة الأولى إلا إنها تعطى نفس المعنى بالنسبة للبنود نفسها في مادة (76) من قانون مصر .. وهناك مادة أخرى في قانون جمهورية مصر العربية ينص على أن (يقسم ما يبقى من الوصية الاختيارية بين مستحقيها مع مراعاة أحكام الوصية الاختيارية).

* وقانون سوريا الصادر سنة 1953؟
- يتفق مع الدول السابقة وإن اختلفت طريقته أو ألفاظه في بعض الأحيان إلا أنها تعطى نفس المعنى بالنسبة للقوانين السابقة في الدول الأخرى التي ذكرناها آنفاً.

 قلت له :
* الآن بقي الاقتراح الذي قدمته في المجلس الوطني بشأن قانون الوصية الواجبة ما هو سبب اهتمامك به؟
تمهل قليلاً في إجابته نظراً لاهتمامه الشديد بالموضوع ثم بدأ حديثه:
- يستند اقتراحي على أساس قوانين الدول العربية الأخرى بشأن الوصية الواجبة .. نظراً لعدالتها وإنسانيتها بالنسبة لأبناء شاء لهم القدر أن يموت والدهم قبل جدهم فيحرمون من تركة جدهم الثري أحياناً.. فيعيشون في فقر وبؤس خاصة إذا كان والدهم موظفاً لدى جدهم أو غيره ويتقاضى مرتباً شهرياً مقابل عمله وينتهي بموته..

سكت قليلاً ثم عاد يتابع حديثه:
- وقوانين هذه الدول العربية الإسلامية كما هو واضح قائمة على أسس قوية من آراء فقهاء كبار مستندة على آيات قرآنية وأحاديث نبوية واضحة بهذا الشأن.. ولأني أؤمن إيماناً شديداً بأحقية الأحفاد في ميراث جدهم بدلاً من والدهم المتوفى.. فقد قدمت هذا الاقتراح.. الذي أرجو من المسئولين ومن أعضاء المجلس الوطني أن يقدروا الهدف النبيل والإنساني المرجو من وراء إقراره.
                                                   
ولنا لقاء آخر عزيزي القارئ في العدد القادم لمعرفة آراء قضاة السنة والشيعة والمحامين ورئيس المحكمة الكبرى مختتمة جولتي برأي وزير العدل الشيخ عيسى بن محمد الخليفة في الوصية الواجبة.


ــــــــــــــــــــــــ








Share this article