RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

الوصيـة الواجبــة (الجـزء الثاني)

بقلم : سلوى المؤيد

وذهبت إلى وزارة العدل .. كان القضاة السنة مشغولين أثناء دخولي عليهم.. لم يمنعهم ذلك من الترحيب بي. قلت لهم وهم الشيخ عبد الله الفضالة والشيخ الدكتور عمر عبد الوهاب القاضي والشيخ إبراهيم عبد اللطيف آل سعد:

* ستطرح عما قريب قضية الوصية الواجبة وكما هو معروف إن الوصية في البحرين اختيارية وليست واجبة.. فما هو رأي سماحتكم منها .. هل توافقون عليها ؟

تحدث أحدهم بالنيابة عن الباقين رافضاً الوصية الواجبة قائلاً:
 - على الجد أن يوصي لأحفاده في حياته أما أن نأخذ تركته ونوزعها حسبما نريد فهذا لا يجوز شرعاً."

قلت له:
* سورة البقرة ذكر فيها " إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين" فما رأيكم في ذلك؟
قال أحدهم:
- هذه السورة نسخت بسورة آية المواريث فيما يختص بتوزيع التركة .. فقد بين الله في آياته حق كل شخص في ميراثه وأعتقد أن الله قد جعل الوصية اختيارية وليست واجبة في آية الوصية بسورة البقرة

قلت له :
* ومن الناحية الإنسانية كيف نترك الأحفاد للفقر ومال أبيهم يتمتع به أعمامهم فيرفلون في العز والرفاهية بينما هم يعانون شقاء وبؤس الفقر ؟
 قال الشيخ عبد الله الفضالة
- نحن رجال الدين نطبق ما يريده الله وهو رحيم بعباده.

عدت أقول له :
* لماذا لا نؤيد رأي الفقهاء المؤيد للوصية الواجبة لإنسانيته ولعدم تعارضه مع جوهر الدين الإسلامي على أساس أن الإسلام جعل الوصية من فروض التقوى والتقوى مفروضة على الجميع؟
قال الشيخ الدكتور عمر عبد الوهاب القاضي  
-إذا أيدنا هذه الفتوى فنحن نخالف قوانين الله في اعتقادنا وعلى الجد أن يوصي لأحفاده بنفسه وهذا ماله وله مطلق الحرية فيه وعليه أن يحتاط قبل أن يموت حتى يورث أحفاده تركة والدهم بعد موته.

قلت له :
* ولكننا لا نفترض العطف عند جميع الأجداد ؟
- إذاً عند ذاك تكون له الحرية في ماله ولا نستطيع أن نأخذ حقوق أبنائه غصباً ونوزعها على أبناء أخيهم المتوفى.  

* معنى ذلك أنكم ترفضون الوصية الواجبة ؟
- نعم نرفضها ونؤيد الوصية الاختيارية وهي أن يوصي الجد لأحفاده قبل موته نصيب والدهم في تركته .

   انتقلت بعد ذلك إلى الشيخ يوسف الصديقي .. تبدو عليه سماحة الإسلام وراحته النفسية قلت له بعد أن رحب بي ودعاني للجلوس ..

* هناك رأيان للفقهاء بعضهم يؤيد الوصية الواجبة وبعضهم يعارضها لذا أريد أن أتعرف على رأيك. هل أنت مع المؤيدين أم مع المعارضين ؟                                                              
جاءني صوته هادئا ينم عن ثقة بالنفس :                                                 
- أنا مع الفقهاء المؤيدين للوصية الواجبة في حدود الثلث لما فيها من إنسانية ورحمة وحماية لكثير من الأحفاد من الضياع والبؤس ولأنني مقتنع بأن هؤلاء الفقهاء الذين أيدوا الوصية الواجبة لا يرقى إليهم طعن وأصحاب مكانة عظيمة في الفقه الإسلامي كما ويؤيدهم فيها علماء كبار في الأزهر الشريف .. والدين الإسلامي دين يسر لا عسر .. فإذا كان هناك اجتهاد من قبل بعض الفقهاء ينص القرآن على تحريم تناولها وكان اجتهادهم هذا مستنداً على آيات قرآنية واضحة وأحاديث نبوية وفى سبيل الخير فلماذا أعارضهم؟

 كان رأيه يدل على أفق واسع وتسامح ديني خرجت بعد لقائه وأنا منشرحة الصدر لوجود مشايخ دينيين في البحرين يستلهمون في أحكامهم عظمة الدين الإسلامي وسماحته ويسره وحثه للفقهاء بالاجتهاد لصالح الإنسانية وخيرها.

 توجهت بعد ذلك إلى أحد المحامين من الطائفة الشيعية ليستأذن لي من قضاة الشيعة في مقابلتهم. فقال لي لن يوافقوا على مقابلتك إلا إذا ارتديت العباءة قلت له سأعطيك السؤال ودعهم يجيبون عليه كتابة .. وجاءتني إجابتهم مفصلة طويلة مسهبة في الشرح سأحاول أن أستخلص منها ما يختص بالموضوع.

قالوا إن الوصية مقسمة إلى نوعين:
1-    وصية الله للخلق في شأن من الشئون مثل قوله تعالى " ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً " وهذه الوصايا وغيرها يجب أن يطبقها جميع الناس أما الوصية الأخرى فهي .
2-    الوصية من الميت .. وهي تمليك النفقة بعد الموت .. فهذه الوصية جائزة راجحة للحض عليها إلا أنها غير واجبة وإنما يستحب للإنسان أن يوصي بجزء من ماله لأهله وقرابته أو لشخص آخر أو لوجه من وجوه الخير ولم يقل أحد من الفقهاء من صدر الإسلام حتى اليوم بوجوب ذلك على الناس .. إلا أنه يجوز للإنسان أن يترك كل أمواله تركة لوارثيه.. ورغم عدم جواز الوصية للوارث في المذاهب الأربعة إلا أن الشيعة الإماميين أجازوها للوارث من الناس وغيره سيراً مع نص آية الوصية في آية البقرة بصحتها للوالدين . .رغم أنهم يعدون من ورثة الميت الابن ولم يوصى لهم في آية البقرة ما ذكرت سابقاً إلا من باب الإكرام إذ أن بعض آباء المسلمين كانوا كفرة في بداية الإسلام فأوصى لهم بجزء من ثروته .

    أما عن القانون المصري بشأن الوصية الواجبة فقد علقوا عليه قائلين بأنه يعارض الوصية في مصلحة تخصيص جزء من المال أحفاد الجد الذي توفى والدهم قبل موته وقد اشترط أن لا يزيد المال عن ثلث التركة وأن لا يزيد عن حصة والدهم فيما لو كان حياً وبأن ذلك في الواقع ليست وصية بل تعتبر تشريعاً مستحدثاً لأن الوصية يجب أن تكون عن رضا الموصي وهذه الوصية ليست عن رضاه وإنما هي أمر إلزامي من مشرع القانون فهي أقرب إلى فروض الميراث منها إلى الوصايا..

   ويعتقد القضاة الشيعة أن الوصية الواجبة غير جائزة في الشريعة لأن في اعتقادهم أن الله قد حدد الفروض وذكر من يستحق التركة ومن لا يستحقها.. فإذا أدخلنا غير أبناء الابن في توزيع التركة كانت هذه إفتاءاً على نصيبهم في الإرث وتشريعاً في مقابل تشريع الله بأحداث ورثة على الله إنهم ليسوا بوارثين.. ويدعون  
 أن الحقوق والالتزامات في الشريعة الإسلامية متبادلة فهي لم تورث الحفيد من جده لأن الجد لا يورث الحفيد لذلك من يريد أن يشرع للناس عليه أن يلاحظ الموضوع من كل جوانبه الحسن فيه والقبيح وجهات نفي الظلم عن كل الأطرا

ف "

   ولا أدري لماذا كل ذلك الرفض من معظم رجال الدين عامة في البحرين للوصية الواجبة وهي أمر إنساني يحمي الأحفاد من الفقر والبؤس.. وهي حصة والدهم الذي توفي قبل أن يرث .. وإن كان الأمر بأن الجد يجب أن يورث الحفيد فليكن ذلك وهذا أيضاً أمرٌ إنساني أن يورث الجد حفيده ولا أعتقد أن فقهاء الدين في الأزهر الشريف قصدوا من الوصية الواجبة تلاعباً وإشباعاً لأهواء في نفوسهم . .   والقرآن الكريم لم ينص على تحريم تحليل الوصية وإنما ذكرت في الحلقة الأولى من التحقيق آيات وأحاديث تحبذ الوصية وتجعلها من فروض التقوى اللازمة التي يجب على كل مسلم أداؤها والإسلام دين يسر لا عسر.. ولا يقصد به إلا إصلاح المجتمع وإسعاد البشرية وهو مفتوح لاجتهاد الفقهاء في فهم آياته العميقة المعنى والتي لم يجيء بها تحريم قاطع للبحث في شيء ما.

بعد ذلك انتقلت إلى المحامين لأتعرف على آرائهم في الوصية الواجبة.

* قلت للمحامي راشد عيسى فليفل .. ما رأيك في الوصية الواجبة وهل تؤيدها؟

- في رأيي إن الوصية الاختيارية أفضل منها .. فأنا لا أؤيد أن يتصرف أحد في مال شخص قد توفى ويوزعه على غير مشيئته لأن هذا الجد لو أراد أن يوصي لأحفاده لأوصى لهم قبل موته .

* وإذا عاجله الموت قبل أن يوصي ؟
- هذه مشيئة الله ولكني لا أؤيد أن يتصرف أحد في مالي دون مشيئتي.

   خرجت للبحث عن المحامى حميد صنقور .. فوجدته مسرعاً لوجهة ما في المحكمة .. استوقفته سائلة عن رأية في الوصية الواجبة هل يؤيدها أم يرفضها .
قال لي بعد أن جلسنا على أحد المقاعد .
- أنا أؤيد الوصية الواجبة لإنسانيتها فهي تنقذ الأحفاد من الضياع والفقر إذا لم يوص ِ لهم جدهم الغني ووالدهم لا يملك مالاً .. ولكن مشايخ الدين في البحرين لا يؤيدون هذه الوصية ويعتقدون بأنها قد نسخت بآية المواريث.

* آية المواريث اختص بها الله الورثة وليس الأقرباء؟
-  بالنسبة لنا في المذهب الشيعي للرجل الحق في أن يوصي بثلث ماله لمن يشاء سواء كان ابنه أو غير ابنه.  
وهناك حديث للرسول عليه الصلاة والسلام  يقول فيه " من مات بلا وصية مات ميتة جاهلية " .

   وأنهيت حديثي مع المحامي  متوجهة إلى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن راشد الخليفة رئيس المحكمة الكبرى المدنية وبعد أن انتظرت دقائق كان يتحدث فيها عن شئون عمله مع الغير بعدها توجه نحوي بمقعده مرحباً بحضوري سائلاً عن سبب مجيئي .. قلت له :

* جئت من أجل الحصول على رأيك في الوصية الواجبة هل تؤيدها أم ترفضها ؟
سكت قليلاً ثم بدأ حديثه :
- أنا أؤيد الوصية الواجبة من الناحية الإنسانية فهي ترحم أطفالاً صغارا ً من الضياع بعد موت والدهم خاصة إذا كان الجد يملك الكثير من المال وهناك جانب آخر مادي وهو أن يكون الابن مشاركاً في تنمية تجارة والده أو أعماله ولا يقوم أثناء ذلك بعمل خاص به .. ويحدث أن يموت فجأة فيحرم أبناؤه من مال ساهم والدهم فى إنمائه بجهده وتعبه وأنا أؤيد الوصية الواجبة كرجل قانون ولكن قد تصطدم هذه الفكرة بآراء فقهاء الشريعة الإسلامية بأن المرء حر في ماله يتصرف فيه كيفما يشاء فإذا كان يرغب في الإيصاء لأبناء ابنه المتوفى فذلك راجع إلى إرادته الحرة ورغبته الخاصة.
واسترسل قائلاً :
- وهناك نقطة أود أن أذكرها وهى أن الوصية فرض من فروض التقوى والتقوى مفروضة على كل مسلم وهي تدخل في معنى القربى لوجه الله تعالى وذلك رعاية للأقربين والمستضعفين .

   واختتمت جولتي في دار المحاكم برأي وزير العدل ..
 استقبلني بترحيب قائلاً هاتي ما عندك وسأجيبك بالتفصيل على كل أسئلتك..

 قلت له " هو سؤال واحد فقط وهو :
*  رأيك في الوصية الواجبة وهل تؤيدها أم ترفضها ؟
قال ضاحكاً سأعطيك رأيي الشخصي وليس رأيي الرسمي كوزير للعدل ..

-  أنا أؤيد الوصية الواجبة لما فيها من إنسانية ولما لها من أثر طيب في المجتمع الأسري كمجتمع البحرين خاصة ولأن الكثير من علماء المسلمين الأقدمين قد أقروا بها ومنهم سعيد المسيب والحسن البصري وابن حزم الظاهري وهم من العلماء المجتهدين الذين لا يمكن أن يرقى إليهم طعن في أي صورة من الصور..

أما بالنسبة للوصية الواجبة ذاتها فهناك فقهاء يؤيدونها وفقهاء يعارضونها.

والزيدي وهو من الفقهاء المؤيدين للوصية الواجبة قال بعدم جواز الوصية للوارث وليس لذوي القربى.. وكان ذلك مصدر قانون الوصية فى مصر الصادر تحت رقم 71 سنة 1946 معتمدا ً على أقوال فقهاء كثيرين وعلى رأسهم الإمام ابن حزم الظاهري وسمي هذا القانون بالوصية الواجبة وهي توريث الحفيد ميراث والده المتوفى بعد موت جده أو جدته في حدود لا تتجاوز ثلث ثروة الجد أو الجدة.. سكت قليلاً ثم استرسل في حديثه،

وكان ذلك علاجاً لظاهرة اجتماعية ضرورية إذ أنه من الثابت أن الأسرة في مجتمعاتنا الشرقية تشترك أحياناً في مشروع واحد باسم الأب في العائلة فيسهم أحد أبنائه بجهده في المشروع دون أن يكون مشاركاً  بالاسم فإذا ما مات هذا الابن قبل أبيه حرم أبناؤه من تركة جدهم التي ساهم  في تنميتها والدهم المتوفى وبناءًا على ذلك ولقيام مثل هذه الضرورة فتش العلماء عن قاعدة تحل هذه الإشكالات فقالوا بالوصية الواجبة وأفتى بها علماء الأزهر الشريف وأخذت بها بعض الدول الإسلامية وعلى أساس هذا المبدأ تقدم العضو المحامي خليفة أحمد البنعلي بمشروع قانون يتألف من أربع مواد سماه" قانون بشأن الوصية الواجبة" لينظم فقط قاعدة الوصية الواجبة دون التعرض للوصية بشكل عام .

وبعد..
كل ما أرجوه أن تتضافر القلوب الرحيمة في المجلس وتنظر إلى الدين الإسلامي بأفق واسع وتستلهم منه الرحمة بالإنسانية فتتم الموافقة على هذا القانون الذي سيحمي مستقبل كثير من الأحفاد خاصة من كان يعيش منهم في رخاء مادي وحنان أبوي فيواجهون بعد موت والدهم وانقطاع راتبه وانعدام تركته ضياع وشقاء الفقر ومشاكله الكثيرة لنفوسهم الضائعة دون أب كان يفكر فيهم وينفق عليهم ويحنو عليهم ويخطط لمستقبلهم .


 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ








Share this article