RECENT COMMENTS

Salwa Almoayyed

عملت سلوى المؤيد كصحفية محترفة لإثنى عشر عاماً ثم اختارت أن تعمل كصحفية حرة في جميع الصحف البحرينية وبعض الصحف والمجلات العربية وهي تملك أسهماً في جريدتي« الأيام » أما «الوسط» فلديها أسهماً من خلال مؤسسة يوسف خليل المويد وأولاده.

ART GALLERY

هل ننجبهم لكي نعذبهم؟

بقلم : سلوى المؤيد


أشد ما يؤلمني رؤية الطفولة البائسة ممثلة في أطفال يعيشون في ظل الفقر والجهل والإهمال ، القذارة تعلو ملامحهم وتدل على بعد المساحة الزمنية بين كل استحمام وأخر، ملابسهم متسخة ولا تفارق أجسادهم بالأيام ، لا يعرفون معنى الوجبات الغذائية الصحية ، مكدسون في غرفة واحدة صغيرة لا يملك الواحد منهم إلا مساحة صغيرة لاتسع لسرير ينام عليه فيتكوم على مرتبة فوق أرض خشنة تعود جسده عليها لأنه لا يعرف غيرها .

 


هذه صورة مؤلمة للطفولة المحرومة البائسة وقد رأيتها ماثلة أمامي وأنا أزور عائلة فقيرة مكونة من عشرة أفراد الأب والأم وثمانية أبناء .


 


قلت للأب متسائلة: ثمانية أبناء وراتبك لا يزيد عن 120 ديناراً، كيف تنفق على هذه العائلة الكبيرة ؟


 


أجاب باستسلام قدري يدل على الجهل : " كل طفل يأتي ورزقه معه "


 


قلت له : " لكن الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن نعذب أطفالنا بالفقر والحرمان أن الله يريد منا أن نعد لهم حياة مريحة قبل أن نفكر في إنجابهم "


 


رد قائلاً " الله كريم وأهل الخير كثيرون " وهل ننجب أبنائنا معتمدين على صدقة أهل الخير ؟


 


احترت بماذا أجيبه ، الجهل يمسح بضبابه الأسود على تفكيره فلا يدرك البؤس والحرمان الذي يعيشه هو وعائلته الكبيرة .


 


التف حولنا أبناؤه، أكبرهم لا يتجاوز السادسة عشرة، وهو معوق، وأصغرهم لا يزيد عمره عن السنة والنصف.


سألته عن أمهم، فأشار إلى كومة مغطاة ببطانية ،


" أمهم مريضة منذ زمن ، وهى تعانى من مرض عقلي"


وتسألت بألم .


" مرض عقلي، وثمانية أبناء، كيف يمكنها أن تربيهم ؟ "


 


أجابت الابنة التي لا يزيد سنها عن أربعة عشر عاماً: " أنا أهتم بأخواتي "


 


تأملتها ، جميلة رقيقة ، لا تدرك قسوة حياتها قياساً بفتيات من سنها ، المقبلات على الحياة بمرح وتفاؤل وسط اهتمام أبائهم وتوفير الحياة المريحة لهم ، أخ على كتفها ، وأخر يمسك بتلابيب ثيابها ، مكبلة بالتربية والمسئولية في هذه السن الصغيرة ، بسبب جهل والديها .


 


وأكمل الأب والإرهاق باد في نبراته : " وأنا أخدمهم بعد عودتي من العمل "


 


ما الذي يرغمه على أن يعمل طوال النهار في وظيفته والبيت مختنقاً بالمسئولية لكي يطعم ويكسو ثمانية أبناء ؟ ، ماذا بقى من جهده لكي يربيهم ،؟ ودارت عيناي في المكان ، بيت سمى جزافاً ببيت ، لكنه غرفتان قديمتان لا يوجد فيهما سوى بساط وفرش بغرض استعمالهما للنوم عليهما وتليفزيون يعلم الله من منحهم إياه لتسليتهم وسط هموم عيشهم .


 


سألت أحد أطفاله : "هل تذهب إلى المدرسة ؟"


لم يجبني ولكن ضحك بسذاجة .


 


قال لي الأب ، " لن يجيبك الولد ، لأنه معاق عقلياً " .


 


طفلان معوقان من ثمانية أطفال ، بسبب أعاقة الأم العقلية والفقر وسوء التغذية ، والأطفال يأتون إلى الحياة في ظل هذا الجهل طفل وراء الأخر ، فتصيب الإعاقة العقلية من تصيب ، دون أن يجد هذان الوالدان توعية من المسئولين في وزارة العمل والشئون الاجتماعية بضرورة توقفهم عن الإنجاب حتى لا يضيفون إلى عالم المعوقين عقلياً أطفالاً آخرين يتعذبون ويعذبون أبائهم ويصبحون عالة على المجتمع.


 


ترى ما فائدة جهود جمعية تنظيم الأسرة بإقامة الندوات بمقر الجمعية يحضرها أشخاص متعلمون ومثقفون ، ما جدوى أن نكتب في الصحف ، إذا كان أمثال هذا الأب لا  يقرآ ون ولا يحضرون هذه الندوات .


 


أننا بحاجة إلى جهود رسمية وأهلية تغزو العقول الجاهلة وتحاول أن تثبت فيها الوعي بضرورة إعداد الحياة المريحة للأبناء قبل إنجابهم .   ما ذنب هؤلاء الأطفال وغيرهم كثيرون يعيشون في ظل الفقر والحرمان والإهمال ، ما دامت أسرهم غير قادرة على أن توفر لهم الحياة الكريمة ، هل يكفى أن ننجب الأبناء لكي نرضى غرورنا كآباء بأننا قادرون على الإنجاب وماذا بعد ذلك ، الطفل بحاجه إلى تلبية احتياجاته الأساسية الجسدية وإلى الرعاية والاهتمام بميوله وإرشاده وتوجيهه نحو القيم الفاضلة وتحمل المسئولية ، فكيف يمكن للوالدين أن يوفرا هذه الاحتياجات وهما مرهقان يعملان طوال النهار لكي يلبيا احتياجات طفلهما الجسدية فقط وربما لن يكونا قادرين حتى على تلبية هذه الاحتياجات بسبب ضعف الحالة المادية ،


 


لقد قرأت بألم أحدى حالات الأبناء المتسربين من المدارس ، فوجدت أن هذا الشاب من أسرة عدد أفرادها كبير والأب ضعيف الدخل ومتزوج من أمرآتين ولديه من كل زوجة أبناء عديدون ورغم تفوق الشاب في المواد الرياضية والعلمية إلا أنه يهرب من المدرسة ليعاشر أصدقاء السوء ، وينام فوق سطح بيته دون أن يسأل والداه عنه، كيف يمكن لوالدين أن تغمض عيونهما والابن غير موجود في البيت، مهمل ، نائم فوق السطوح دون أن يعلم به أحد ، ماذا تتوقع لهذا الشاب من مستقبل غير الانحراف والسجون ،


 


ما فائدة أن ننجب عشرة أبناء معذبين مهملين معرضين للانحراف ؟ أليس من الأفضل إنجاب خمسة أبناء يجدون الرعاية والتعليم الجيد والإرشاد والاهتمام بمواهبهم لتكريسها مستقبلاً في بناء حضارة متقدمة لوطننا.


 


ألم يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بأذن الله " والمعنى واضح هنا ، أن القلة المؤمنة الصالحة القوية أفضل من الكثرة الضعيفة الهزيلة، فأين التليفزيون الفعال في بث هذا الوعي الإنساني في المجتمع ، خصوصاً وأن هذه الأداة الإعلامية تدخل كل المنازل سواء في المدن أو القرى ، وماذا ينتظر المسئولون في وزارة العمل والشئون الاجتماعية ليقوموا بالتعاون مع الجهود الأهلية بوضع خطة مدروسة لإنشاء جيل قوى وسعيد في أبناء البحرين  قادر على تحمل مسئولية بناء الوطن وتقدمه .


 


فهل نأمل أن يتحقق هذا الحلم في القريب العاجل ، لنحقق المعنى من قول الرسول الكريم ، عندما دعا هذا الدعاء ." اللهم أنى أعوذ بك من جهد البلاءShare this article