لا شك أن النفوذ الصيني الاقتصادي قد تضاعف كثيرا في السنوات الأخيرة في الدول العربية.. حيث بدأت تنافس أمريكا والدول الأوروبية في مشاريع التنمية الاقتصادية في هذه الدول خلال السنوات العشر الأخيرة نظراً الى نهضة الصين التكنولوجية الواسعة.
والوقع أن هناك فرقا كبيرا بين تعامل الصين وأمريكا مع الدول العربية التي تتمتع بعضها بموارد اقتصادية هائلة من بترول وغاز ومعادن وزراعة وغيرها.. إذ تتعامل أمريكا مع هذه الدول من منطلق القوة وتتدخل في سياساتها وتتدخل في شؤونها السياسية وتفرض أطماعها بأسلوب سلبي مستفز ولا إنساني مثلما فعلت عندما شنت حرباً مدمرة على العراق وقضت على قوة جيشها الذي كان يعتبر رابع أقوى جيش في العالم في عام2003 عندما غزته بسبب الهجوم على المركز العالمي في نيويورك عام 2001 حيث ادعت أنه حادث إرهابي بسبب تطرف بعض المسلمين الذين أوعز لهم الرئيس صدام حسين للهجوم على مركز التجارة العالمي وهو سبب كاذب لأنه عرف فيما بعد أن الصهاينة في نيويورك قاموا بهذه المؤامرة الظالمة لكي تتدخل أمريكا في العراق وتقضي على هذه الدولة مع جيشها القوي.
وكلنا نعلم أن صدام حسين لا يؤمن بالتطرف الديني وكان ضد القاعدة أو أي منظمة إسلامية متطرفة.
لكن أمريكا اعتدت على العراق بأسلحة متقدمة وهي تدعي التحضر لتقضي على هذه الدولة وجيشها وتسجن وتعدم رئيسها صدام حسين.. فأي تطاول لا ديمقراطي ولا إنساني أكثر من ذلك التطاول البشع الذي حطم نهضة العراق.
ولم تكتف بذلك وإنما زرعت المنظمات الإرهابية الإسلامية التي خلقتها مع إسرائيل في العراق ومعها الدول العربية الأخرى في عهد أوباما المشؤوم وقتلت الرجال ويتمت الأطفال وقضت على الشباب ورملت النساء وفتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الإيراني ليعيث فساداً في العراق وسوريا واليمن وتتهم بعد ذلك بعض الدول العربية بأنها تخالف حقوق الإنسان مثل اتهامها للحكومة السعودية باغتيال جمال خاشقجي في سفارتها في تركيا.. كيف يمكن لدولة أن تغتال مواطنا لديها في سفارتها.. كان بإمكانها لو أرادت لأرسلت له عصابة مسلحة لتغتاله بعيدا عن سفارتها.. مثلما يفعل الموساد عندما يريد التخلص من علماء العرب وهو ما حدث مرارا.. لكنها لم تفعل ولن تفعل لأنه مخالف لمبادئها الإسلامية وعندما ارتكب بعض موظفيها هذا العمل قدمتهم للقضاء ليحكم عليهم حسب ما يستحقونه من عقاب جنائي.
إن أمريكا التي يحركها الصهاينة ضد الدول العربية بغرض إضعافها والاستيلاء عليها.. رغم استفادتها الهائلة من بيع الأسلحة إلى هذه الدول على شكل صفقات للسلاح.. وبناء وتجهيز المصانع الضخمة وتعمير البنية التحتية مادياً في السنوات الماضية وبعضها لا يزال حتى الآن من خلال المشاريع العملاقة التي تأخذها وتحصل مقابل لها على أموال هائلة وتتحكم في هذه الدول من خلال ديونها من البنك المركزي الذي يسيطر عليها الصهاينة.
أما الصين هذه الدولة الضخمة التي وصلت إلى أعلى مراتب الثورة التكنولوجية العالمية وأصبحت تنافس أمريكا وأوربا في مجال الصناعة والاقتصاد.. فقد ابتعدت عن التدخل السياسي في الدول العربية ومحاولة إضعافها وركزت على المشاريع الاقتصادية الكبرى وتعمير الدول العربية التي تسبب تدخل أمريكا إلى هدمها وتدميرها.. وهي تستفيد من ذلك بمليارات الدولارات اقتصادياً.
ولا شك أن الصين أصبحت حالياً أكبر مشارك في التجارة العالمية وتزاحم الولايات المتحدة على قمة الاقتصاد العالمي وهي رائدة علمياً في بحوث المستقبل.. كالذكاء الاصطناعي والأنشطة السيبرانية.. وأدى هذا
التقدم إلى تغيير موازيين القوة على مستوى العالم.. ودفع بكثير من الباحثين إلى وصف القرن الحادي والعشرين بأنه «القرن الصيني».
لقد ازداد استيراد الدول العربية للبضائع الصينية بمختلف أنواعها زيادة كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وتقوم الصين باستيراد النفط والغاز من الدول العربية بما يمثل 25% من الواردات الصينية للنفط والغاز.
كما نمت شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والتجارية حيث تعد الدول العربية الشريك التجاري السادس للصين.. وسيشهد القرن 21 مزيدا من هذه العلاقات في مختلف مجالات الحياة.. حيث زادت العلاقات التجارية بشكل متسارع بين الطرفين وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لعشر دول عربية، ورافق ذلك زيادة ضخمة للاستثمارات الصينية في المنطقة العربية وازدادت كثيرا رحلات الطيران والسياحة بين الدول العربية والصين إذ تحمل ما يزيد على مليون مسافر سنوياً لأغراض السياحة والاستثمار.
وقد اسهمت الصين كثيراً في تحسين وسائل المواصلات في الدول العربية لما لديها من خبرة واسعة في المجال التكنولوجي وذلك من خلال استراتيجية «الحزام والطريق» التي تطرحها الصين كأساس لعلاقاتها مع العالم..وهي تهدف إلى تنمية البنى التحتية للنقل والاتصال وتعزيز الشراكات والمصالح المشتركة مع الدول الأخرى.
وما يهمني حقاً ككاتبة وكعربية هو احترام الصين للدول العربية وذلك برفضها التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول احتراماً منها لاستقلالية كل دولة بالنسبة إلى قراراتها الوطنية واحترام كل شعب في اختيار شكل نظام حكمه.
وأفضل دليل على ذلك هو خطاب الرئيس الصيني «شي جين بينغ» الذي عبر من خلاله عن احترامه لقرار كل دولة في اختيار النظام السياسي الذي يناسبه إذ يقول:
«لا يوجد نموذج للتنمية يناسب جميع المجتمعات والثقافات ولا أحد يعرف الحل المناسب أكثر من حكومة ذلك البلد وشعبه».
وأخيراً ان ما تقوم به أمريكا من تدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول العربية يسيء إلى اقتصادها ومصالحها مع هذه الدول ويدفعها أكثر إلى التعامل مع الصين اقتصادياً والابتعاد عن أمريكا لتفقد بذلك هيمنتها الاقتصادية في العالم.
Salwa Almoayyed